المنجي بوسنينة
176
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
كانت أول رحلة للشيخ محمد البواردي بطلب العلم في الرياض عندما بلغ من العمر اثني عشر عاما ، لكن الغربة شقت عليه مع صغر السن فضجر بعد أشهر من وصوله للرياض ، وعاد لمسقط رأسه ، ثم ما زال به والده ترغيبا في العلم ، وتشجيعا إليه بعدما أحس فيه الرغبة الملحة ، فخاف عليه من النكوص بعد التجربة في الرحلة الأولى للرياض ، حتى حنّ مرة أخرى لطلب العلم مستسهلا للصعب ، لأنه لا يدرك إلا بالتحمل والصبر . فأحسّ برغبة تحدوه إلى العلم وطلبه في مظانّه ، ففرح والده بهذا الشعور منه ، وحرص أن يتلمس له واحدا من العقلاء المسافرين للرياض وراء الرزق ، وتلمّس لقمة العيش ، ليبعثه معه ، حتى يأنس بقربه ، وليبحث له عن زملاء يوصيهم عليه في السكن والمعيشة ، وكان ذلك بعد عام من عودته ، بعد السفرة الأولى . وقد رتب له المشايخ في الرياض ، سكنا في بيت طلبة العلم ، من البيوت المتعددة التي خصصها الملك عبد العزيز ، للطلّاب الغرباء عن أوطانهم ، واختاروا له أن يسكن مع الشيخ عبد الرحمن بن علي بن عودان ، لأنهما من بلد واحدة ، وذلك بحي دخنة ، لأنّ هذا الحي هو مكان تجمع طلبة العلم ومشايخهم . وتسمى هذه البيوت آنذاك « بيوت الإخوان » ، وكان ذلك قبل إيجاد رباط الطلبة بدخنة . ولما كان في شقراء قد طلب العلم الأول - بعد حفظ القرآن الكريم - في كتاتيب عبد الله البواردي ، ثم على يد الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف ، إمام جامع شقراء ، وخطيبه لأكثر من أربعين عاما ، ثم أصبح من عام 1342 ه ، قاضيا في شقراء وتوابعها إلى أن توفي عام 1352 ه . كما قرأ على المشايخ الذين مر ذكرهم في نشأته ، عندما كان في شقراء ، مبادئ العلوم في الفقه ، والتوحيد ، واللغة العربية والحديث . فالشيخ محمد البواردي ، منذ حداثة سنه ، قد منحه الله نباهة وحافظة جيدة عوضه الله بها عما أصابه من نقص في البصر ، إذ كان يركز على الحفظ أكثر ، مع ما يعينه الله عليه من الاطلاع ، فبعد حفظ القرآن الكريم ، اهتم بحفظ المتون . وانتظم في الرياض حلقات المشايخ عبد الله ابن عبد اللطيف آل الشيخ ، كبير علماء الرياض ، ثم لازم الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ، الذي أسندت إليه فيما بعد مهمات الإشراف على القضاء ، وطلبة العلم . ومع ذلك كان من المنظّمين في حلقة الشيخ سعد بن حمد بن عتيق ، وهؤلاء الثلاثة هم أكبر وأشهر علماء الرياض ، وأكثرهم جلوسا للطلبة . كما قرأ اللغة العربية وعلومها على الشيخ حمد بن فارس . وعن حرصه على طلب العلم ، فقد كان يدرس بعد صلاة الفجر على الشيخ محمد بن إبراهيم ، مع مجموعة من الطلبة ، في الفقه والتوحيد والفرائض ، كما كان ينتظم في حلقة الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف ، والشيخ سعد ابن عتيق ، في الأوقات الأخرى . وكان معروفا لدى مدرسيه بالجديّة وقت الجد ، والمفاكهات عندما يدبّ السأم ، ويستملحون ذلك منه ، بل يطلبون منه ذلك ، من باب : روّحوا عن أنفسكم ساعة فساعة فإن النفوس إذا كلّت ملت .